سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
22
الإكسير في علم التفسير
والإطناب عكس الإيجاز ، والإيجاز له موضع وهو للخواص ، والإطناب له موضع وهو للخواص والعوام . فالإطناب تطويل اللفظ والمعنى جميعا ؛ للمبالغة في الإفهام ، والإيصال إلى الأوهام ، ومن استعمل الإيجاز في موضع الإطناب ، والإطناب في موضع الإيجاز ، فقد أخطأ ، والإطناب بلاغة ، والتطويل عيّ . وأحسن ما وصل إليه الإطناب في رأي الطوفي هو ما اشتهر بين العلماء المتأخرين من شروح الكتب المختصرة ، فإن هذه الكتب في رتبة الإيجاز ، وشروحها في رتبة الإطناب . ومن الإطناب تفسير المبهم : بأن يذكر الشيء مبهما ثم يفسر ، وذلك طلبا لتفخيمه وإعظامه ؛ لأنه يذهب بالسامع كل مذهب ، وقد استعدت النفس لشوقها إلى معرفة المبهم ، فيكون أبلغ وأشد موقعا . أما الإبهام دون تفسير فكثير في القرآن نحو قوله تعالى : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ( الإسراء 9 ) ، فالتي صفة لشيء محذوف لا نعلم حقيقته ؛ أهي الطريقة أو الملّة أو الجنة ؟ . إلا أن المعنى مفهوم من حيث الجملة ؛ إذ معناه : يهدي إلى الخير والرشاد . والتكرار ينقسم إلى قسمين : مفيد وغير مفيد . والمفيد من التكرار هو الذي ورد في القرآن الكريم ، أما غير المفيد فقد خلا منه القرآن . والغرض من التكرار المفيد : تأكيد الأمر وتفخيمه وتعظيمه ، كأن يكرر المعنى الواحد لغرضين مختلفين ، كقوله تعالى : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( الفاتحة 5 ) ، فكرر لفظة إياك ؛ لأن الغرض منهما مختلف ؛ فالأولى تفيد إضافة العبادة إلى اللّه ، والثانية إضافة الإعانة . وتكرار هذا اللفظ آكد وأدل على ضراعة المؤمنين وصدقهم وإخلاصهم ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن القرآن في غاية البلاغة والكلام